العلامة المجلسي
139
بحار الأنوار
من الأسباب النادرة لا الغالبة . وقيل جعل عدم الوجدان قيدا للجميع لا يخلو من شئ لأنه إذا جمع بين الأشياء في سلك واحد ويكون شئ واحد وهو عدم الوجدان قيدا للجميع ، كان المناسب أن يكون لكل واحد منها مع قطع النظر عن القيد مناسبة ظاهرة مع الترخيص بالتيمم ، وذلك منتف في الأخيرين إلا عند جعل عدم الوجدان قيدا مختصا ، وكلام صاحب الكشاف غير آب عن ذلك ، فالأحسن أن يقال : قوله سبحانه " فلم تجدوا ماء " قيد للأخيرين مختص بهما لكنه في الأولين مراد بمعاونة المقام ، فإنه سبحانه لما أمر بالوضوء والغسل ، كان ههنا مظنة سؤال يخطر بالبال فكأن سائلا يقول : إذا كان الانسان مسافرا لا يجد الماء أو مريضا يخاف من استعماله الضرر ، فما حكمه ؟ فأجاب جل شانه ببيان حكمه ، وضم سائر المعذورين فكأنه قال : وإن كنتم في حال الحدث والجنابة مرضى تستضرون باستعمال الماء ، أو مسافرين غير واجدين للماء ، أو كنتم جنبا أو محدثين غير واجدين للماء - وإن لم تكونوا مرضى أو على سفر - فتيمموا صعيدا . والتصريح بالجنابة والحدث ثانيا مع اعتبارهما في المريض والمسافر أيضا لئلا يتوهم اختصاص الحكم المذكور بالجنب ، لكونه بعده . وقد يقال في قوله سبحانه أو لامستم النساء في موقع كنتم جنبا مع التفنن والخروج عن التكرار تنبيه على أن الامر ههنا ليس مبنيا على استيفاء الموجب في ظاهر اللفظ فلا يتوهم أيضا حصر موجب الوضوء في المجئ من الغائط ، وعلى كل حال فيه تنبيه على أن كونهم محدثين ملحوظ في إيجاب الوضوء . قوله جل وعلا " فتيمموا صعيدا [ طيبا " أي اقصدوا صعيدا ] واختلف كلام أهل اللغة في الصعيد ( 1 ) : -
--> ( 1 ) الصعيد صفة مشبهة وهو فعيل بمعنى فاعل ومعناه الغبار وقد سمى العرب الطريق صعيدا لصعود الغبار منه حين مشى القوافل ، وهو المراد بقول بعضهم التراب كالجوهري وابن فارس ، كما قد عبر عنه بالمرتفع من الأرض وقيده بعضهم كأبي عبيدة بما لم يخالطه رمل ولا سبخة لكنه مفاد الطيب كما يأتي وجهه . وقد يعبر عنه بما ارتفع من الأرض ، فيشتبه على من لا دراية له في اللغة أن المراد به الموضع المرتفع كالربوة والأكمه ، مع أن المراد به الغبار المرتفع من الأرض . واما قول ثعلب ومن حذا حذوه بأن المراد بالصعيد مطلق وجه الأرض لكونه نهاية ما يصعد من باطن الأرض ، فهو مدخول كدليله ، فان باطن الأرض لا يصعد إلى ظاهره وهو ظاهر ، ونقل الجوهري عنه استدلاله بقوله تعالى " فتصبح صعيدا زلقا " الكهف : 40 وفيه أن المراد به الرماد الحاصل بعد احتراق الجنة بالصاعقة وظاهر أن الرماد صعيد كالتراب الا أن التراب صعيد طيب والرماد صعيد زلق أي غير طيب ، ومثله قوله تعالى " وانا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا " الكهف : 8 ، حيث إن المراد بما عليها الأشجار والنباتات وسائر ما اتخذ منها من الجنان ، وان الله جاعلها قبل يوم القيامة كالسبخة التي لا تنبت الا الحشيش والأشواك ، ولا يرى عليها الا أثر النباتات وأصول الأشجار المجروزة عن وجهها . ولما قال تعالى " فتيمموا صعيدا طيبا " وكان معنى التيمم القصد والطلب للاخذ ، والصعيد هو التراب بعد ارتفاعه من الأرض ، لم يكن يقدر المكلف على طلب الغبار الا بأن يضرب باطن يديه على الصعيد وهو التراب المنتفش ليصعد الغبار منه ، فحينئذ ما يصعد من تحت يديه يعلق بباطن كفيه ، وما صعد من جوانب كفيه يصعد إلى الهواء ، ولذلك أمر أهل البيت عليهم الصلاة والسلام بأن يضرب المتيمم بباطن كفيه على الأرض ، دون أن يمسح أو يأخذ منه بوجه آخر ، فافهم ذلك .